أبو جعفر الإسكافي

58

المعيار والموازنة

قد بايع الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أباك ، فرضي وسلم ولم يخالف ولم ينكث ( 1 ) ثم جعله عمر سادس ستة فرضي وسلم . ثم كان من أحداث عثمان ، وأمر الناس فيه ما قد علمت ، وكنت أنت أشد الناس فيه قولا ، وأكثرهم عليه تحرضا . ثم بايعه طلحة والزبير والناس ، وأتتنا كتبهم بذلك فرضينا وبايعنا ، فما الذي بدا لكم ؟ ! فلم يكن عندها شئ أكثر من أن قالت لهما : القيا طلحة فهذا كلام من خالفه [ وهو ] يدل على تهمة قائله وخطئه ، من قولها : " أتينا نصلح بين الناس " والناس على هدوء وسكون ، وسبيل استقامة وطاعة في مصرهم وما بينهم ، فلما دخلوا المصر ، أوغروا الصدور ، وشتتوا الكلمة وعصبوا القبائل ، ودعوا إلى خلاف ابن أبي طالب ، وقتلوا السبابجة وغيرهم من أهل السوابق والفضل . فتدبروا أفاعيلهم تجدوها ناقضة لأقاويلهم ، منبهة لهم على مرادهم وبغيتهم . فهذه أحوالهم قد كانت مكشوفة لأهل الفطنة والمعرفة ، ثم انكشفت لأهل التقليد والحيرة ممن لم يكن له معرفة عند انكشاف الحق ، وحين وضعت الحرب أوزارها ازداد أهل الإيمان والمقتدون بالإمام بصيرة ويقينا ، ورجع المفرطون إلى التلهف والأسف والندامة ، وارتهن الماضي منهم بعمله ، وتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ، ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب / 16 / ينقلبون . فارجعوا رحمكم الله إلى الأخذ بما تعرفون ، واعرفوا للفاضل فضله ، وللمحق حقه ، تكونوا في حزبه ، فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين .

--> ( 1 ) أما عدم مخالفة أمير المؤمنين علي عليه السلام عملا مع القوم فمسلم ، وأما رضاه عليه السلام عنهم فلا . وقد تقدم في ص 46 ذكر شواهد جمة من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في شكايته عنهم ، وأنهم ظلموه وغصبوا حقه . فلما لم يجد أنصارا يصول بهم لاسترداد حقه سكت وأغضى على القذى وصبر من كظم الغيظ على أمر من العلقم ، وآلم من حز الشفار ! ! ! فم‍ هاهنا إن ثبت أن عمران وأبا الأسود قالاه لأم المؤمنين ، فالمراد منه لازمه وهو عدم قيام علي عليه السلام لمخالفة القوم عملا ، لا أنه كان راضيا عنهم .